هل تطلق البنوك المركزية العملات الرقمية قريبًا؟

هل تطلق البنوك المركزية العملات الرقمية قريبًا؟

هل الموضوع مفيد؟
شكرا

 


يشهد العالم منذ عقد مضى حركة متسارعة نحو التحول الرقمي في جميع المجالات، وتميز عالم المال والأعمال بنصيب وافر من الثورة الرقمية التي بدأت تقود البوصلة تجاه التحول بقوة نحو الرقمنة.  

فظهر للوجود أسواق وبنوك وبورصات وشركات وجامعات تعتمد على تقنيات وتطبيقات الواقع الإلكتروني. ومع انتشار جائحة كورونا وضغوط الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار الفيروس، تسارعت الخطى بشكل مذهل لاستكشاف مزيد من طرق أداء الأعمال وما يرتبط بها من وسائل الدفع غير النقدية. 

ومن هنا ظهرت الحاجة أمام البنوك المركزية إلى النظر بجدية إلى استخدام العملة الإلكترونية كوسيلة حتمية لتحويل القيمة جنبًا إلى جنب مع العملات التقليدية.

لنبدأ بشرح الأساسيات لتمهيد الطريق لاستعراض الجوانب الأكثر صعوبة في هذا الموضوع. 

العملة الإلكترونية، وتُعرف أيضًا بالعملة الرقمية أو النقود الإلكترونية، وي رصيد المال المسجل إلكترونيًا على بطاقة القيمة المخزنة أو جهاز وسيط إلكتروني آخر أو المخزنة على شبكات إلكترونية، ما يسمح بنقل القيمة عبر شبكة الإنترنت، وهي عملة افتراضية مُشفرة في جميع جوانب التعامل بها، وليست عملة رسمية لها قوة إبراء قانونية، ويمكن الحصول على العملات الرقمية، وتخزينها، والوصول إليها، والتعامل معها إلكترونيًا.

كما يمكن استخدامها لمجموعة متنوعة من الأغراض، طالما أن التعامل توافق عليه أطراف المتعاملين بها. في حين أن بعض العملات الرقمية قابلة للتحويل إلى عملات رسمية، يوجد أنواع من العملات الرقمية غير قابلة للتحويل، وهي محفوفة بدرجة عالية من المخاطر، وفي جميع الأحوال يتم إصدار العملات الرقمية دون مشاركة أو دعم البنوك المركزية حتى الآن. 

توجه البنوك المركزية حول العالم بوصلتها نحو اتجاه قوي لدعم التحول الرقمي في مجال الصيرفة والخدمات المالية.  وبعد أن كانت العملات الرقمية من المحظورات التي تشدد البنوك المركزية عن الابتعاد عنها، أصبح لا مفر من التراجع عن هذا الموقف التحفظي، والبدء في ملاحقة التطور المتسارع للابتكارات في مجال التعاملات المالية الرقمية. 

ومن هذا المنطلق، خفت حدة نبرة مقاطعة العملات الرقمية ليصدر مجلس الاستقرار العالمي -الذي يتكون من البنوك المركزية لمجموعة الدول العشرين وهيئات الرقابة المالية- توصيات بوضع أطر تنظيمية لإصدار عملات رقمية محلية. 

وتجدر الإشارة إلى أن البنوك المركزية حول العالم اهتمت في العام الماضي بتصريحات "فيسبوك" عن عزمها إطلاق عملة رقمية خاصة بها تحت اسم "ليبرا"، وهذا يعني أن البنوك المركزية لديها مخاوف عديدة بشأن أخطار إصدار العملات الرقمية، التي قد تؤثر على القدرة على توجيه السياسة النقدية ومراقبتها، ما قد يؤدي للإخلال بالاستقرار المالي، خصوصًا أن التشريعات الحالية لا تغطي العملات الرقمية. 

كما أن العديد من البنوك المركزية حول العالم دخلت بشكل تدريجي في شراكة مع القطاع الخاص لاستخدام العملة الإلكترونية. على سبيل المثال، في الصين، يشارك البنك المركزي بالفعل مع عدد قليل من شركات القطاع الخاص لتجربة عملة إلكترونية مستخدمة منذ سنوات. وكذلك يعمل البنك المركزي السويدي على تجربة عملته المقترحة "الكرونا الإلكترونية".

ويدرس البنك المركزي الأوروبي إصدار يورو رقمي. وفي روسيا أيضًا، أعلن البنك المركزي أنه يدرس إصدار روبل رقمي إلى جانب النقدي. إضافة لتلك الدول، تدرس 17 حكومة على الأقل إصدار عملات رقمية. أما في مصر فقد أعلن البنك المركزي في وقت سابق أنه بصدد الانتهاء من دراسة خاصة بإصدار عملة رقمية مصرية.

ويأتي التقرير عن عملات البنوك المركزية الرقمية CBDC  في الوقت الذي تنظر فيه العديد من البنوك المركزية حول العالم لمزايا العملات الرقمية، وتكنولوجيا البلوك تشين، وهي التكنولوجيا التي تدعم العملات المشفرة مثل البيتكوين. كما نوه التقرير عن المخاطر المحتملة، إذ إن العملات الرقمية تفتح الباب أمام الأنشطة غير المشروعة مثل غسل الأموال، والمخاطر الأخرى مثل عدم التحكم في عرض العملات، وتقليص قدرة البنك المركزي على تحفيز الاقتصاد عبر الاستفادة من تدابير التيسير الكمي.

ولا يمكن تجاهل المخاوف من أن يؤدي استخدام العملة الإلكترونية الجديدة إلى استبعاد البنوك من الساحة وفقد شريحة من العملاء المحتملين. ويجدر التأكيد على أن هذه البنوك المركزية لم تتخذ موقفًا بعد بشأن ما إذا كان يتعين عليها وعلى البنوك التي تشرف عليها إصدار عملات رقمية، فما زال البحث جاريًا فيما إذا كانت هذه العملات الرقمية مجدية. في حين ينادي المدافعون عن العملات الرقمية بأن بإمكانها تعزيز الشمول المالي عبر استيعاب الأشخاص والكيانات التي لا تتعامل مع البنوك دون الحاجة الى فتح حساب. 

ويمكن أن تلعب العملة الرقمية التي يصدرها البنك المركزي دورًا في تحسين المدفوعات في التجارة الدولية. ومن هنا طرح مجلس الاستقرار المالي مسودة توصياته للنقاش العام. تضمنت المسودة 3 مبادئ إرشادية لإصدار العملات الرقمية التي تصدرها البنوك المركزية، أهمها عدم تهديدها للاستقرار المالي، وأن تكون مكملة للأشكال الحالية للنقود، وأن تكون مبتكرة وكفؤة. 

في النهاية، تهدف العملات الرقمية للبنوك المركزية إلى تحقيق الأفضل للمتعاملين كافة ولأصحاب المصلحة، وهو ملاءمة التقنيات الرقمية الجديدة جنبًا إلى جنب مع عرض النقود الذي يتحكم فيه البنك المركزي والمدعوم بالاحتياطي، واستمرار التعامل بالنقود التقليدية الرسمية. دعونا نراقب ونرى التطور المقبل للعملة الذي ستغير وجه العالم.

هل الموضوع مفيد؟
شكرا
اعرف / قارن / اطلب